لكن ابتسامتها اختفت فورًا لما شافت الشنطة. قالت بقلق: “سيف؟ حصل إيه؟” بصيتلها شوية… وبعدين قلت بهدوء: “أبويا طردني.” شهقت بسرعة، ومسكت دراعي ودخلتني الشقة وقفلت الباب. بعدين بصتلي وقالت: “عمل إيه؟” طلعت موبايلي وشغلت التسجيل. امتلِت الشقة بصوت نادية: “ما تخليهوش يحس إن ليه قيمة من غير العمارة.” وبعدين صوت أبويا البارد: “لما يجوع وينام في الشارع… هيعمل اللي أنا عايزه.” قعدت خالتي ببطء على الكنبة. إيديها كانت بتترعش وهي ماسكة كباية الشاي.
ولما التسجيل خلص… حطت إيدها على بوقها، ودموعها نزلت. همست بصوت مكسور: “رحاب اختارت الشخص الغلط فعلًا…” وبعدين مسكت إيدي وقالت: “اسمعني كويس يا سيف… طول ما أنا عايشة، عمرك ما هتنام في الشارع.” ولأول مرة من شهور طويلة… حسيت بالأمان. مش عشان المشكلة خلصت. لكن عشان أخيرًا لقيت حد واقف جنبي من غير مقابل. تاني يوم الصبح صحيت على ريحة العيش السخن والشاي باللبن. خرجت من الأوضة لقيت خالتي مجهزة الفطار بنفسها. جبنة قديمة.
بيض. وكوباية شاي بريحة الهيل. قعدت أبصلها وهي بتتحرك في المطبخ الصغير… وفجأة افتكرت أمي. نفس طريقة تحضير الشاي. ونفس نظرة القلق في العين. بلعت الغصة بالعافية. وقلت بهدوء: “عندي كام حاجة لازم أخلصهم النهارده.” بصتلي خالتي وكأنها فاهمة كل حاجة. سألتني سؤال واحد: “متأكد من اللي هتعمله؟” هزيت راسي. المرة دي… ماكنتش بتصرف بعاطفة. كنت بحسبها صح.
خرجت بعدها على مركز طباعة. فتحت موقع النتيجة. 98.7٪. الترتيب التاسع والثمانين على الجمهورية. حتى الموظف بصلي بدهشة وهو شايف النتيجة. طبعت الورقة أكتر من مرة، وحطيتها في ظرف بني. بعدها رحت البنك وسحبت تحويشة بسيطة. ماكنتش مبلغ كبير… بس كانت كفاية أبدأ. ولما خرجت، وقفت أبص ناحية النيل البعيد. وبعدين عملت مكالمة واحدة بس.
الراجل رد بسرعة: “ألو، مين؟” قلت بهدوء: “مع حضرتك سيف الشرقاوي… ابن رحاب.” سكت ثواني. وبعدين صوته اتغير فورًا: “سيف؟ أقدر أساعدك إزاي يا ابني؟” غمضت عيني للحظة. وقلت ببطء: “تميت 18 سنة… وحان الوقت آخد حقي اللي أمي سابتهولي.” ## الفصل الثاني: العاصفة الهادئة مر أسبوع كامل وسيف مختبئ في بيت خالته “منى”، بعيدًا عن صخب عائلة الشرقاوي ومراسم الاحتفال الباذخة التي كان يقيمها والده لكريم.
كان يقضي الساعات في مكتب المحامي “الأستاذ شاكر”، الصديق الوفي الوحيد لوالدته الراحلة. شاكر وهو يقلب الأوراق القانونية بنظرة ثاقبة: “والدتك يا سيف كانت شايفة لبكرة بوضوح مرعب. العمارة دي مش مجرد مبنى، دي أرضها مسجلة بعقد أخضر باسمها، والوصية بتنص إن الإدارة والملكية بتنتقل ليك بالكامل بمجرد إتمام الـ 18 سنة، بشرط إنك تكون واعي قانونًا. والتسجيل اللي إنت عملته ده؟
ده كارت محروق هنستخدمه في وقته الصح عشان نثبت سوء نية والدك في محاولة الاستيلاء على ميراث قاصر.” سيف بصوت واثق: “أنا مش عايز فلوس دلوقتي يا متر.. أنا عايز ‘الوضع القانوني’. عايز إخطار رسمي يوصل الفيلا إن المالك الجديد للعمارة استلم مهامه، وإن عقد الإيجار اللي والده عامله لشركته في الدور الأول والثاني لاغي، إلا بموافقتي.
” في فيلا الشرقاوي، كان فؤاد يجلس مع نادية يخططان لمستقبل كريم، حين طرق الباب “محضر” من المحكمة. فتح فؤاد الظرف وهو يظنها أوراق تخص شحنة بضائع، لكن وجهه تحول للون الشاحب وهو يقرأ الكلمات: **”إخطار رسمي بنقل ملكية وإلغاء تفويضات..”** نادية بقلق: “في إيه يا فؤاد؟” فؤاد بصوت يرتجف من الغضب: “سيف.. سيف راح للمحامي واستلم العمارة. وباعتلي إنذار بإخلاء مكاتب الشركة في خلال 15 يوم أو دفع إيجار بسعر السوق الحالي!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.