حطيت الكوسة في الطبق وقلت بكرة هجرب آخر محاولة. إزاي يعني؟ بصيت لبطرمان الملح وقلت بجمود مش هحط ملح خالص. اتصدم ولا نقطة؟ ولا نقطة.. الملح هيدخل الدولاب ويتقفل عليه. ولا صويا، ولا مرقة، ولا أي توابل فيها صوديوم. مصطفى حواجبة اتعقدت طب وده هيتأكل إزاي؟! خضار مسلوق بمية بيضا.. بيض مسلوق عادم.. وطبق فول من غير نقطة ملح ولا طحينة.
بصيت له في عينه وقلت لو بعد كل ده وقالت حادق… يبقى السر مش في الأكل يا مصطفى! مصطفى بصلي فترة طويلة، وبعدين هز رأسه وقال أنا معاكي في اللي تشوفيه. في الليلة دي، عملنا أبرد وأعُدم غدا اتعمل في البيت ده من يوم ما اتجوزنا مفيهوش نقطة ملح حطينا العلب في التلاجة.. وبصيت لهم، الأكل كان طعمه يسد النفس من كتر ما هو عادم!
ولما رجعنا بالليل جرينا عليها انا وجوزي بحماس وسالناها عن الأكل ها يا حببتي ايه اخبار الاكل النهارده اتنهدت بتعب وحزن وقالت…..برضه مالح حبتين يا بنتي. انا وجوزي بصينا لبعض بذهول ووقتها بس جوزي قرر يفتح كاميرات المراقبة اللي في البيت عشان يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. وأول ما شفنا اللي حصل الظهرية في التسجيل..
ما قدرتش أمسك دموعي أول ما مصطفى فتح الموبايل وجاب تسجيلات الكاميرا بتاعة الصالة والمطبخ، وقعدنا إحنا الاثنين على الكنبة والقلب بيخفق من التوتر، شغّلنا تسجيل الساعة 12 الظهرية بالظبط.. اللحظة اللي طنط بتصحى فيها عشان تتغدى. شفناها وهي طالعة من ا بخطوات بطيئة، باين عليها الإرهاق.. راحت على المطبخ، طلعت علبة الأكل من التلاجة، وحطتها في الميكرويف زي كل يوم. لحد هنا، كل حاجة كانت طبيعية جداً.
بس أول ما الميكرويف صفر وأخدت العلبة وقعدت على سفرة المطبخ.. بدأ السحر والوجع كله! حطت أول معلقة في بقها، وقبل ما تبلع، شفناها بتتنهد تنهيدة طوييييلة، وحطت المعلقة من إيدها. مسكت موبايلها القديم اللي شاشته مكسورة، وفضلت تقلب فيه بثقل، وبعدين طلعت صورة.. ثلّتنا الصورة على شاشة الموبايل، لقينها صورة عمي الله يرحمه، جوزها ا من خمس سنين.
مسحت على الصورة بإيدها وهي بتبتسم ابتسامة مكسورة تخلع القلب، وقالت بصوت هادي خرق صمت البيت في التسجيل الله يرحمك يا حاج حسن.. الملح كان مظبوط من إيدك، الأكل من بعدك ما بقاش ليه طعم ولا لون.. كل حاجة بقت حادقة ومرة في بؤي. في اللحظة دي، أنا ومصطفى بصينا لبعض، والدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
بس التسجيل ما خلصش على كده.. المشهد اللي بعده كان هو السر الحقيقي اللي خلانا ننهار! شفنا طنط وهي بتقوم بصعوبة، تفتح درج المطبخ، وتطلع منه علبة مخلل ليمون وزيتون كانت شرياها من بره ومخبيَاها في أخر الدرج ورى العلب! مسكت ليمونة مخللة، وحطت منها حتة كبيرة في بقها مع كل معلقة أكل بتاكلها من الأكل العادم اللي أنا عاملاه!
كانت بتاكل المخلل بشراهة غريبة، وكأنها بتدور على أي طعم قوير حالة العُدم والوحدة اللي عايشة فيها، أو يمكن ضغطها كان ببيوطى جداً من كتر القعدة لوحدها والتفكير! وبعد ما خلصت أكل، مسحت إيدها، ورجعت علبة المخلل مكانها في أخر الدرج، وغسلت بقها بمية كتير عشان ما نشمش ريحة المخلل لما نرجع!
اتاريها طوال الأيام اللي فاتت، كانت بتاكل الأكل المظبوط اللي أنا بعمله، وتاكل معاه مخلل حادق جداً من ومانا، فاليقمة كلها في بؤها تتحول لكتلة ملح! ولما نيجي نسألها بليل، كانت بترد بعفوية شديدة بناءً على الطعم اللي فضل في بؤها من المخلل، وفي نفس الوقت كانت بتتكسف تقول إنها أكلت مخلل عشان عارفة إننا بنخاف على ضغطها وبنمنعها منه! مصطفى حط إيده على وشه وقعد يعيط بصوت واطي.. كان حاسس بذنب رهيب.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.