” “لا يا ابني! دول عينهم على قرشين المعاش! أنا تعبانة حتى مش قادرة أمسح التراب.. ولو جرالي حاجة بليل مين هيحس بيا؟ تعالوا عيشوا معايا هنا ولو فترة مؤقتة.. أبوس إيدك”. رغم إن أحمد كان نفسه يستقر في بيته الجديد، لكن مقدرش يسيب أمه. ومنى بقلبها الدهب، وافقت من غير تفكير عشان ترضي جوزها.
لما دخلوا شقة الحاجة هدى، منى صعبت عليها جداً الست اللي كانت مديرة وبقت عجوزة غلبانة بتسند على عصاية خشب وشعرها منكوش. وبدأت منى ملحمة الشغل: طبخ، غسيل، مسح، تلميع، وتحضير أكل دايت ومسلوق. وأحمد كان طول اليوم بيلف على الصيدليات والأسواق عشان طلبات أمه اللي مابتخلصش. “يا ربي، كنت ظلماها وفاكراها قوية.. دي طلعت وحيدة ومحتاجة الحنية” ده اللي كانت منى بتقوله لنفسها وهي بتمسح البلاط.
لكن منى الطيبة ماكنتش تعرف إن بمجرد ما الباب يتقفل وراهم الصبح، الحاجة هدى المريضة بتقوم زي الحصان! تدخل المطبخ تعمل أحلى قهوة، وتطلع الحلويات اللي شايلاها، وتقعد تتسلى وتتفرج على الشقة اللي بقت فلة بفضل تعب منى. “أحسن.. خليهم يعرفوا قيمتي.. ابني مش قليل، ولازم هي تدفع تمن إنها بقت مراته” كانت بتقول كده وهي قاعدة بتتابع مسلسلاتها بانسجام، وقبل ما يرجعوا بنص ساعة، تلبس الروب القديم، وتنكش شعرها، وتنام على الكنبة بوش المحتضرة.
وفي يوم، منى كانت قاعدة مهدودة من التعب، وقالت لها بحب: “يا حاجة هدى، أنا بشكرك بجد إنك ربيتي أحمد وبقى الراجل الحنين ده.”هدى ردت بتكبر: “ابني أحمد طول عمره مابيقبلش غير بالأحسن”. حبل الكذب قصير.. وهما واقفين في الطرقة، سمعوا ضحكة مجلجلة من جوه الأوضة.. ضحكة فيها طاقة تهد جبال. “بقولك إيه يا لولو، ده أنا في مارينا يا بنتي!
” كانت فاتحة السبيكر وبتتكلم مع صاحبتها بمنتهى الفخر. “الهانم مراته امبارح خلتلي الشبابيك زي المرايا، والنهاردة من الفجر بتخبز وتعمل محاشي. وأنا؟ أمسك العصاية وأعمل الشويتين بتوعي.. وأحمد يلف يمين وشمال ويجيب لي أحسن لحمة وأغلى دوا. وليه أتعب نفسي وأنا عندي خدّامة ببلاش؟” منى حست إن مية نار اتمسحت في وشها. وجع، إهانة، وكسرة نفس. بصت لأحمد، لقيت وشه أبيض زي الورقة، وعروق رقبته هتنطق من الغضب.
“وهتفضلي تمثلي الفيلم ده كتير؟” سألتها صاحبتها. “لحد ما أزهق!” ردت هدى بضحكة عالية. “لازم تعرف مقامها، وإن أنا ست البيت الحقيقية. دي فاكرة إنها فازت بأحمد كده بالساهل؟ لازم تدفع الضريبة. ده أنا حتى بوفر تمن الأدوية، وهي كل ليلة تعملي مساج لرجلي وتعملي يانسون وتدلعني.. ده أنا في حلم يا بنتي!” أحمد مقدرش يمسك نفسه أكتر.. فتح الباب بقوة خلت الحاجة هدى تترعب.
كانت قاعدة وحاطة رجل على رجل وبتهز بإيدها في الهوا.. التليفون وقع من إيدها على السجادة اللي منى لسه منظفاها. “يا ماما..” صوت أحمد كان واطي بس فيه وجع يهد الحديد. “فدي بقى تمثيلية الموت؟ طلعتي في مارينا وبتتدلعي، وإحنا خدّامين عندك وطالع عينا؟” هدى حاولت تلم الموضوع، مسكت قلبها بسرعة وعينها راحت يمين وشمال وبتدور على العصاية. “يا ابني.. أنت فاهم غلط.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.