لم يتحدثا كثيرا. لم يطرح شتاينر أسئلة. ولم يقدم ريختر تفسيرات. خلال تلك الأشهر واصل ريختر كتابة يومياته. أصبحت الملاحظات أكثر فلسفة وتأملا. كان يسأل نفسه إن كان الاختباء والبقاء على قيد الحياة جبنا أم حكمة. الجبناء يختبئون خوفا. أما الحكماء فيحفظون أنفسهم لغرض مستقبلي. لكن ما الغرض الآن الرايخ تحطم هتلر مات القادة أسروا أو هربوا مثله.
ماذا بقي في ربيع 1946 كانت محاكمات نورمبرغ جارية. كان ريختر يقرأ الصحف التي يجلبها شتاينر. غورين هس ريبنتروب يحاكمون. بعضهم أعدم وبعضهم سجن. وكانوا ما يزالون يلاحقون آلاف النازيين من رتب متوسطة الذين اختفوا في فوضى 1945. كان اسم ريختر في القوائمليس بمستوى كبار المجرمين لكنه بمستوى يكفي ليكون مطلوبا بجدية. كانت دوريات أمريكية وبريطانية تمشط النمسا تفحص كل قرية وتستجوب كل شخص. في أبريل 1946 وصلوا إلى أوتشتال.
كان ريختر يراقب من الجبل بينما كان الجنود الأمريكيون يسألون القرويين ويعرضون صورا وأسماء. استجوب يوهان شتاينر مثل الجميع. سأل ضابط أمريكي وهو يعرض صورة لريختر بزيه هل رأيت هذا الرجل نظر شتاينر بعناية وقال لا. لم أره قط. كانت الكذبة مثالية. إما أنه ممثل بارع أو أنه لم يكن يهتم بما فعله ريختر. وربما كلا الأمرين. غادر الأمريكيون بعد ثلاثة أيام لكن ريختر كان يعلم أنهم سيعودون وأنهم في المرة القادمة سيكونون أدق.
كان عليه اتخاذ قرار. يمكنه أن يحاول الهرب إلى أمريكا الجنوبية كما فعل كثيرون فشبكات الهروب عبر إيطاليا كانت لا تزال موجودة لكن ذلك يعني السفر والتعرض والمخاطرة. أو يمكنه أن يبقى هنا في الجبال التي يعرفها في الكهف الذي حماه وأن يختفي تماما حتى ييأس المطاردون في النهاية. اختار الخيار الثاني. في مايو 1946 عاد إلى الكهف. هذه المرة إلى الأبد.
ودع شتاينر قائلا سأذهب بعيدا من هنا. كانت كذبة. لم يكن ذاهبا إلى أي مكان. كان عائدا إلى كهفه إلى مرسيدسه إلى يومياته. وهناك في برد وصمت الجبل النمساوي استقر لما سيكون انتظارا طويلا طويلا جدا. تحولت الأشهر إلى سنوات 1947 1948 1950. كان العالم يدور فوقه أما ريختر فكان يعيش في فقاعة زمنية متجمدة عند عام 1945.
كان يلمع حذاءه ويحافظ على المرسيدس نظيفة قدر الإمكان ضمن الظروف المحدودة ويكتب دائما يكتب. بلغت يومياته ألف صفحة ثم ألفين. لم تعد مجرد سرد. أصبحت حياته كلها متبلورة في كلمات. لكن الوحدة كانت تفتك به ببطء وبلا رحمة. في عام 1960 كان ريختر قد بلغ السابعة والخمسين وأمضى خمسة عشر عاما في كهفه. لم يعد الكهف ملاذا بل صار سجنا بناه لنفسه حجرا حجرا ويوما يوما.
ظهرت أولى علامات جنون خفيف. صار يتحدث بصوت مسموع يجري حوارات مع أشباح الماضي رفاقه الموتى رؤساؤه الذين أعدموا وحتى مع هتلر نفسه. كان يعرف أنه جنون لكن في الصمت المطلق للكهف كان صوته هو الصوت البشري الوحيد الذي يسمعه. فرض على نفسه روتينا صارما يستيقظ عند الفجر رغم أن ضوء النهار لا يخترق عمق الكهف. تمارين صباحية نفس التمارين العسكرية التي كان يفعلها قبل عشرين عاما.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.