كانت يومياته قد صارت ثلاثة آلاف صفحة موزعة على دفاتر متعددة محفوظة بعناية في صناديق معدنية لحمايتها من الرطوبة. كان يكتب أساسا عن ذكرياته قبل الحرب عن حملاته العسكرية عن تأملاته في ما كان الرايخ قد كانه وما كان يمكن أن يكونه. لم يعد يخرج أبدا. في السنوات الأولى كان ينزل أحيانا لسرقة الطعام من مزارع بعيدة ليلا دائما ومقنعا دائما. لكنه الآن كان يعيش بما يجده في الجبل جذور فطريات ماء عيون.
كان يزداد نحولا. صار شعره أبيض بالكامل. كانت يداه ترتجفان باستمرار. كان العالم الخارجي يتغير بسرعة. استعادت النمسا استقلالها عام 1955. كانت الاقتصاديات تعاد بناؤها. بدأ السياح يأتون للتزلج في جبال تيرول. لكن ريختر لم يكن يعرف شيئا من ذلك. بالنسبة له توقف الزمن في الثلاثين من أبريل 1945. في عام 1965 مات يوهان شتاينر.
لم يعلم ريختر بذلك. لم يعد هناك أحد يعرف بوجوده. صار شبحا كاملا رجلا لا وجود له رسميا مختبئا في مكان لا يعرفه أحد. جاءت السبعينيات. كان ريختر قد بلغ السبعين. كان جسده ينهار لكن عقله ظل على نحو غريب متماسكا. استمر في الكتابة لكن الملاحظات صارت أقصر وأكثر تفتتا. أحيانا يكتب بضعة أسطر فقط اليوم مثل الأمس برد وحدة لكنني حر. حر بطريقتي.
هل كان حرا حقا وهو محبوس في كهف رافضا الخروج حتى بعد أن كف الناس عن البحث عنه أم كانت هذه حرية قصوى بشكل ما اختيار واع لرفض عالم أدانه في عام 1980 أصيب بسعال مزمن ربما سل أو التهاب رئوي مزمن. لم يكن لديه دواء. كان يتألم بصمت ويبصق دما في قطع قماش يحرقها بعد ذلك. لكنه ظل ينجو دائما ينجو. في التسعينيات كان هيكلا عظميا تقريبا. كان وزنه ربما خمسين كيلوغراما.
كانت ملابسه العسكرية تتدلى على جسده الهزيل كأنها على فزاعة ومع ذلك كان يرتديها يوميا ويحاول أن يبقى منتصبا قدر ما تسمح به ظهره المنحني. صار يكتب أقل. ضعفت عيناه. كانت يداه ترتجفان أكثر من أن تمسكا القلم بثبات. لكنه كان يعيد قراءة دفاتره القديمة يستعيد حياته عبر الكلمات التي كتبها قبل عقود. جاءت الألفية الجديدة. عام 2000.
كان ريختر في السابعة والتسعين. صار مخلوقا بالكاد يبدو إنسانا ظلا منحنيا يرتجف يتحرك ببطء في ظلام الكهف ويتمتم بالألمانية مع نفسه. في صباح من يناير 2003 استيقظ ريختر وعرف أن النهاية قد حانت. لم تعد رئتاه تعملان جيدا. كان قلبه يخفق بلا انتظام. لم يعد لديه قوة للنهوض. زحف حتى المرسيدس.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.