تمن الرحلة

نُشر منذ 9 ساعات
حفظ
غلاف المقال

لم أشكّ في شيءٍ وقتها. لم يخطر ببالي أن الإنسان قد يشكرُك وهو يخطط لإقصائك. جاءت صباحية السفر. استيقظتُ مبكرًا، جهّزتُ نفسي بملابس بسيطة أنيقة، ووضعتُ الأوراق في ملفٍ أزرق. حملتُ معي قهوةً ساخنة وكرواسون، كأنني أريد أن أبدأ الرحلة منذ تلك اللحظة لا من بوابة الطائرة. ثم قدتُ سيارتي إلى شىقتهما. كنتُ سعيدة على نحوٍ خجول، سعيدة وكأنني أستعيد شبابًا ضاع بين عملٍ ومسؤولياتٍ طويلة.

حين وصلت، كان الحي هادئًا، والسماء تميل إلى زرقةٍ باردة. صعدتُ الدرج بخفةٍ غير معتادة، وطرقتُ الباب طرقاتٍ قصيرة. فتحت سارة بسرعة، لكنها لم تبدُ سعيدة بقدر ما بدا وجهها مُتقنًا. كانت بكامل أناقتها، تحمل جواز سفرها وتبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيها. في الداخل، رأيتُ كريم يجر حقيبتين كبيرتين. قال كريم بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية صباح الخير يا ماما شكرًا إنك جيتي بدري.

ابتسمتُ أنا جاهزة من زمان. كنتُ على وشك أن أسأل إن كانت كل الأوراق معهم، أو إن كانوا يريدون شيئًا من الصيدلية قبل المطار، حين تقدمت سارة خطوةً وقالت ببرودٍ غريب، كأنها تُبلّغني بموعد المطر مريم في الآخر ماما هي اللي جاية. حضرتك لا. تجمدتُ. لم أفهم الجملة أول مرة، كأن عقلي رفض أن يستقبلها. ثم سمعتها ثانية داخل رأسي، واضحةً قىاسية حضرتك لا. قلتُ بصوتٍ خرج بصعوبة ماذا تعنين؟

أنا لا؟ رفعت سارة كتفيها بلا اكتراث أمي هدى محتاجة تغيير جو. وبما إن حضرتك يعني بتسافري كتير، فقلنا ده الأعدل. التفتُّ إلى كريم. كنتُ أتوقع أن يضحك ويقول إنها تمزح، أو أن يعترض، أو حتى أن يبدو مرتبكًا حقًا. لكنه تنحنح فقط، ثم قال بصوتٍ متردد ماما مش موضوع شخصي. هدى بتمر بظروف صعبة. تراجعتُ خطوة كأن الهواء دفعني للخلف.

نظرتُ إلى الحقائب، ثم إلى مفاتيح السيارة في يدي. شعرتُ بقدرٍ هائل من الخجل، ليس لأنهم أساؤوا إليّ فقط، بل لأنني فجأة رأيتُ نفسي بعين الجيران الذين قد يفتحون نوافذهم الآن امرأة جاءت لتُسافر، فطُردت من الرحلة عند الباب. كنتُ أستطيع أن أقول أنا التي دفعت، أنا التي رتبت، أنا التي لكنني أدركت في لحظةٍ قصيرة أن الصړاخ لن يعيد كرامةً سىقطت. الصىراخ سيُسعدهم لأنه سيجعلهم يرونني أتشبث. وأنا لم أعد أريد أن أتشبث.

تنفستُ ببطء، ورسمتُ على وجهي ابتسامةً هادئة لا معنى لها. قلتُ حسنًا. أتمنى لكم رحلة سعيدة. سارة قالت بسرعة شكرًا لتفهمك. كريم حاول أن يقترب ماما رفعتُ يدي إشارةً قصيرة توقفه لا داعي. استمتعوا. استدرتُ ومشيتُ نحو السيارة. لم أهتز. أو هكذا بدا الأمر من الخارج. لكن في الداخل، كان شيءٌ ما ينهار بهدوء. قدتُ بلا موسيقى، والمدينة تمر من حولي كأنها لا تعرف أنني خرجتُ لتوي من حيانةٍ عائلية مؤلمة.

وصلتُ البيت، أغلقتُ الباب، وجلستُ على الكرسي دون أن أخىلع حذائي. فتحتُ الملف الأزرق. كانت الأوراق مرتبة بعناية أرقام الحجز، أسماء النزلاء، مواعيد القطارات، أسماء الجولات. وفجأة، بدأتُ أرى الحقيقة في التفاصيل كل شيء على بريدي الإلكتروني، وكل المدفوعات عبر بطاقتي، وكل التأكيدات تصلني أنا أولًا. لم يكن ذلك صدفة؛ أنا من فعلته هكذا لأنني أحب التنظيم. لكن التنظيم اليوم صار سلاحًا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
DA

Donia Ashraf ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
596مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزى ض.ربنى روايات

جوزى ض.ربنى

بعد جوازنا بعشر أيام بس، جوزي ضربني بالقلم قدام أهله بسبب حاجة تافهة جدًا والأغرب من القلم…

Donia Ashraf 0.0 17 دقائق