تمن الرحلة

نُشر منذ 11 ساعة
حفظ
غلاف المقال

لم يكن في ذلك انتفامٌ أعمى. كان ردًّا محسوبًا. أنا لا أريد أن أكسرهم، بل أريد أن أعيد ترتيب الميزان. أريد أن أعرف أن هناك حدودًا لا تُداس ثم تُغفر ببساطة. ذلك المساء، اتصلتُ بأول فندق في روما. كنتُ قد اخترته بعناية لأنه يطل على ساحة جميلة، ولأنه من الفنادق التي تحترم التفاصيل. أجابتني موظفة الاستقبال بالإنجليزية، فطلبتُ منها تحويل المكالمة إلى مسؤول الحجوزات.

ثم قلتُ بصوتٍ هادئ ثابت مساء الخير. أنا مريم عادل. أحتاج إلى تحديث عاجل على الحجز. سألتني عن رقم الحجز، فأعطيته لها. سألتني عن البريد الإلكتروني، فأكدته. ثم قالت نعم، الحجز لثلاثة أشخاص. قلتُ ببساطة ألغوا الاسم الثاني، وأضيفوا بدلًا منه اسمًا آخر. وسأرسل لكم نسخة من جواز السفر عبر البريد. ترددت للحظة، ثم سألت هل لديكِ صلاحية التعديل؟ ابتسمتُ لنفسي. الحجز باسمي، والمدفوعات باسمي.

نعم، لدي الصلاحية. قالت حسنًا. سيتم التحديث خلال دقائق. بعدها لم أتوقف. دخلتُ على شركة الطيران، واستخدمتُ رقم الحجز نفسه. كان من حسن حظي أنني أنا من دفعت، وأنا من استلمت التأكيدات. عدّلتُ المقاعد. ألغيتُ مقعدًا. أضفتُ مقعدًا آخر. لم ألغِ الرحلة كلها؛ لم أرد أن أبدو مچنونة. أردتُ فقط أن أفهمهم أنني لستُ كرسيًا إضافيًا يُستبدل حين تأتي ماما أخرى.

ثم فعلت أهم شيء ألغيتُ خدمات النقل الخاصة التي كنتُ قد حجزتها لهم في باريس وفيينا. ليست مشكلة كبيرة، لكنها ستصنع فرقًا. سيضطرون للتعامل مع الواقع دون مظلتي. في اليوم التالي، رنّ الهاتف. كان كريم. تركتُه يرن مرة مرتين ثلاثًا. ثم أجبت. قال بصوتٍ متوتر ماما، في مشكلة في الحجوزات. الفندق بيقول في تعديل حصل، والطيران كمان! قلتُ بهدوء أيوه. عدّلت بعض الأشياء.

صمت لحظة. ثم قال ليه؟ قلتُ لأنك عدّلت حياتي عند باب الشىقة من غير ما تسألني. قال بسرعة ماما، سارة قالتلك الموضوع ظروف. ومش قصدها قاطعته بنبرةٍ ثابتة لا تُبرر. قصدها واضح. وقصدك أنت أوضح أنك وافقت. ارتفع صوته قليلًا ماما، إحنا في المطار! الكلام ده وقته؟ قلتُ وقته مناسب جدًا. لأنك اخترت الوقت ده عشان تبلغني أنني مُستبعدة. وأنا اخترت وقتًا قريبًا عشان أبلغك أنني لستُ بلا قيمة.

قال بحدّة طيب يعني هنعمل إيه دلوقتي؟ قلتُ هتعملوا اللي كنتُ بعمله عنكم دائمًا هتحلوا مشاكلكم بنفسكم. سمعتُ صوت سارة في الخلفية تقول شيئًا غاضبًا، ثم أخذت الهاتف منه فجأة. قالت بنبرةٍ متعالية مريم، اللي بتعمليه ده قلة ذوق. ده اسمه تخريب. قلتُ بهدوء واللي عملتيه عند الباب اسمه إيه؟ سكتت لحظة. ثم قالت أنتِ كده بتفىضىحينا! ابتسمتُ، وقلت أنا لم أفىضحكم.

أنتم فىضحتم أنفسكم، ثم خفتم من المرآة. قالت بعصبية رجّعي كل حاجة زي ما كانت! قلت لن أرجع شيئًا. ستتعلمون أن الكبار لا يُدارون بالابتزاز. ثم أضفت بوضوح وأبلغي والدتك أن الرحلة ليست مقعدًا شاغرًا. أنا لستُ احتياطًا. أغلقت المكالمة. جلستُ بعدها طويلًا أمام النافذة. لم أشعر بالشماتة. شعرتُ بشيءٍ قريب من الحزن الناضج الحزن الذي لا يبكي كثيرًا، لكنه يضع حدودًا. في المساء، وصلتني رسالة من كريم ماما، سارة بټعيط.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
DA

Donia Ashraf ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
596مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

جوزى ض.ربنى روايات

جوزى ض.ربنى

بعد جوازنا بعشر أيام بس، جوزي ضربني بالقلم قدام أهله بسبب حاجة تافهة جدًا والأغرب من القلم…

Donia Ashraf 0.0 17 دقائق