وفي صباح يوم، يوسف وقف جنب حوض المياه.وسمع صوت خلاه يرفع راسه.الكحة اختفت تقريبًا.العجول بدأت تتحرك.بدأت تاكل.وعينيها بقت أنضف.من أصل 90
83 عجل نجوا. الحاجة زينب خرجت وقفت جنب السور وبصت لهم فترة طويلة.وبعدين قالت
كل الناس شافت اللي كان ناقص فيهم.يوسف ابتسم.فكملت
إنت الوحيد اللي شفت اللي لسه موجود.
لكن ابتسامته اختفت لما قالت
ودلوقتي بدأت أصعب مرحلة.سألها
إيه؟قالت
الأكل.يوسف سكت.كان معاه 327 جنيه بس.العلف التجاري كان غالي.والبنك مستحيل يدي شاب عنده 19 سنة قرض عشان مواشي اشتراها الناس أصلاً باعتبارها هتموت.ولو ما لاقاش حل
كل اللي عمله طول الشهور اللي فاتت هيروح هدر.في اللحظة دي، الحاجة زينب بصت ناحية سقف البيت القديم.وقالت
اطلع أوضة جدك.يوسف استغرب.ليه؟دور على كراسات جدك الكبير.
كراسات إيه؟بصت له وقالت
الكراسات اللي العيلة كلها قررت تتجاهلها بقالها أكتر من 40 سنة.يوسف طلع الدور التاني.الأوضة كانت مليانة تراب وصناديق قديمة.وبعد بحث طويل، لقى صندوق خشب صغير.فتحه.جواه 9 كراسات سودا.أول واحدة كان مكتوب عليها تاريخ من سنة 1968.وتحت التاريخ اسم جده الأكبر
عبدالرحمن عبدالسلام.قعد يوسف على الأرض وبدأ يقلب الصفحات.
كان فيها ملاحظات عن الأرض.المياه.نوع التربة.أماكن الزراعة.وأغرب من كل ده ملاحظات عن تربية المواشي.قرأ لساعات.وفي اليوم التالت، لقى جملة خلت قلبه يدق بسرعة
الأرض دي عمرها ما كانت فقيرة إحنا بس بقالنا نص قرن بنسألها السؤال الغلط. يوسف فضل باصص للجملة.وبعدين رجع يقرأ الصفحة اللي بعدها.
ولأول مرة، اكتشف إن أرض عيلته المهجورة كانت مخبية سرًا ممكن يغير مستقبلالمزرعة كلها ويخلي نفس الناس اللي ضحكت عليه واقفة على بابه تطلب منه المساعدة.توقف يوسف عبد السلام أمام الصفحات الصفراء القديمة التي خطها جده الأكبر قبل عقود. كانت كلمات الجد واضحة ومركزة، تشرح تفاصيل دقيقة عن تربية المواشي والزراعة البديلة المعتمدة على الموارد الطبيعية للمزرعة
النخيل ليس مجرد ثمر. نواته إذا جُففت وحُنصت وتُمّ دكّها مع مخلفات سعف النخيل الأخضر وجذور الحشائش العميقة، تُنتج علفاً عالياً بالبروتين والزيوت الطبيعية التي تقوي مناعة الماشية وتقيها من أمراض الرئة.
قفل يوسف الكراسة، وتنفس براحة لأول مرة منذ أشهر.فهم يوسف السر الذي غفلت عنه العائلة أربعين عاماً الأرض المهجورة التي بها 60 فداناً من النخيل لم تكن أرضاً بوراً، بل كانت مخزناً طبيعياً لأجود أنواع الأعلاف المقوية للمناعة!
بداية التحول العلف السري
من الصباح الباكر، بدأ يوسف في جمع النوى المتروك تحت الأشجار وسعف النخيل الأخضر، واستعارة طاحونة قديمة من أحد أقاربه.بدأ يخلط النوى المطحون بسعف النخيل والمياه ونسبة بسيطة من الملح والخميرة الطبيعية، ويقدمها للعجول
ال 83 التعافية. في البداية، كانت العجول مترددة، لكن خلال أيام قليلة، بدأت تأكل العلف الجديد بشهية مفتوحة.خلال شهر واحد فقط
زاد وزن العجول بمعدل كيلوجرام يومياً.تحول شعرها الهزيل إلى فرو ناعم وبراق.أصبحت مناعتها القوية محط أنظار كل من يمر بجوار المزرعة.الحاج صابر الجندي كان يمر بسيارته النقل الفاخرة بجوار مزرعة يوسف، وينظر للعجول بذهول وحيرة، غير مصدق أن هذه هي نفس المقبرة التي اشتراها الشاب ب 150نيهاً للعجل!
الوباء القاتل اختبار الصمود
بعد مرور أربعة أشهر… وفي منتصف فصل الشتاء، ضرب المنطقة وباء تنفسي وفيروسي حاد يُعرف ب الحمى القلاعية والميكوبلازما الرئوية.الوباء انتشر كالنار في الهشيم بين مزارع الصعيد
المزارع الكبرى خسرت عشرات الرؤوس يومياً.العلف التجاري الملوث زاد من تدهور مناعة المواشي.الحاج صابر الجندي وحده خسر أكثر من 120 رأس ماشية في أسبوع واحد، وأصبحت حظائره الشاسعة مليئة بالصراخ والخسائر المادية بالمليارات!لكن الغريب والمذهل في المنطقة كلها…



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.