في تلك اللحظة، زغردت الحاجة إجلال بصوتٍ عالٍ رجّ أركان البيت، وقامت شيرين واحتضنت شقيقها طارق وهي تقول: “ربنا يخليك ليا يا سند الصاعق بالحق!”. التفت إليّ طارق وعيناه تقطران قسوة وسخرية، وقال وهو يضع العقود في حقيبته: — ودلوقتي يا أسماء.. تقدري تلمي هدومك في شنطتين بالظبط. البيت ده مبقاش بيتك، وأنا ورقة طلاقك هتوصلك على بيت أي حد من قرايبك، لأن الست اللي تقف في طريق مصلحة أهل جوزها ملهاش مكان في حياتي.
لم أبكِ، ولم تدمع عيني. وقفت بكل برود، وعدلت من هندام عباءتي السوداء، ونظرت إلى ساعة الحائط التي كانت تشير إلى الخامسة مساءً. وفي تلك اللحظة تحديدًا، رن جرس الباب الخارجي ثلاث رنات متتالية. فتحت الباب، ليدخل المستشار رفعت وبصحبته معاون قضائي واثنان من رجال الشرطة بلباسهم الرسمي. تحول وجه طارق إلى اللون الأصفر، ووقفت الحاجة إجلال مذهولة وهي تمسك بخرزة زرقاء في يدها تقدم المستشار رفعت بكل هيبة، ووضع حقيبته الجلدية على طاولة الصالون، ثم نظر إلى طارق والمحامي الذي معه وقال بصوت رخيم هز جدران المكان: — مساء الخير يا جماعة.
أنا الأستاذ رفعت، الوكيل القانوني والمفوض عن السيدة أسماء هشام. وبصفتي هذه، أقدم لكم هذا الإخطار الرسمي القضائي. زعق طارق محاولاً استعادة توازنه: — إخطار إيه وزفت إيه؟! مراتي باعت البيت ده لأختي خلاص والعقود معايا وممضية والفلوس اندفعت! ابتسم المستشار رفعت ضحكة خفيفة ساخرة، وأخرج من حقيبته مستنداً رسمياً مغطى بالأختام الحكومية، وقال: — العقود اللي مدام أسماء مضت عليها دلوقتي، ومضت عليها الأستاذة شيرين، هي عقود بيع وشراء فعلاً.
. لكنها مش لبيت المعادي. مدام أسماء شالت المسودة القديمة، وحطت مسودة لعقد بيع “مكتب المحاسبة” الخاص بيك يا أستاذ طارق، بالإضافة لـ “الشقة التمليك” اللي انت كاتبها باسم والدتك الحاجة إجلال تهرباً من الضرائب والضمانات! صعق المحامي الجالس وبدأ يقلب في الأوراق بجنون، ليصرخ: “يا نهار أسود! دي مغيره بنود العقود والأرقام والوحدات.. العقود دي بتنص على بيع ممتلكات طارق وشيرين للحاجة إجلال ومنها لأسماء!
”. لم يدعهم المستشار رفعت يستوعبوا الصدمة، بل أكمل بصرامة قضائية: — ومش بس كده.. الأربعة مليون ونص اللي اتسحبوا من الحساب المشترك ودخلوا حساب شيرين لتسهيل عملية النصب دي، تم إثباتها بموجب محضر رسمي مسجل منذ الأمس أنها “قرض حسن طويل الأجل” بضمان شقة شيرين الإيجار ومحتوياتها، ومرفق بها شيكات بنكية بدون تاريخ وقعت عليها شيرين في معاملات سابقة لأسماء ولم تسددها. وقفت شيرين تصرخ وتلطم خديها: “يعني إيه؟
يعني أنا مبقتش صاحبة البيت؟ والفلوس اللي دخلت حسابي دي دين عليا؟”. أما طارق، فقد اندفع نحوي وعيناه تشعان شراراً وجنوناً، ورفع يده ليضــ,,ـــــربني وهو يصرخ: “يا بنت الـ… ضيعتيني!”. وقبل أن تلمسني يده، تحرك ضابط الشرطة وأمسك بذراعه بقوة ولواها خلف ظهره قائلاً: “الزم حدودك يا فندي! إحنا هنا تنفيذًا لأمر قضائي بمعاينة وتمكين، وأي اعتــ,,ـــــدا هيتحول لجناية فورية”.
نظرت لطارق وعيناه مكسورتان تماماً، وقلت له بثقة وهدوء غريب: — السبع سنين اللي ضيعتهم من عمري معاك، والدهب اللي بعتهولك، وخدمة أمك وأختك.. تمنهم غالي أوي يا طارق. وأنا مباخدش تمني برخص التراب.. أنا باخده تالت ومتلت بالقانون. التفت المستشار رفعت إليّ وقال: “يلا يا بنتي.. الخطوة الجاية هتحــ,,ـــــرق الأخضر واليابس عندهم”.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.