قلبي سقط في رجلي، الدنيا اسودت في وشي ووقفت ورا الباب أفرك في إيديا والدموع متجمدة في عيني. فضل جوة في الأوضة ساعتين كاملين، ساعتين بالتمام والكمال والباب مقفول، صوت وشوشة واطي وكلام مكتوم، وأوقات أسمع أمي بتعيط، وهو صوته هادي بس حاسم، وكل دقيقة بتعدي عليا كأنها سنة، الشيطان بيصورلي إنه خلاص مش قادر يكمل في الشيلة التقيلة دي.
بعد الساعتين، اتفتح الباب فجأة، خرج إبراهيم وشه شاحب وعيونه حمرا، باين عليه إرهاق كأنه شايل جبل على كتافه، وفي إيده ملف بني كبير مقفول بإحكام. وقفت مسمرة مكاني، ريقي نشف ورجلي ما شالتنيش، رميت نفسي على صدره وأنا بنهار وبصرخ بصوت مكتوم: “بالله عليك يا إبراهيم، متعملش فينا كده.. متكسرش ضهري.. أمي هتموت في الشارع يا إبراهيم!”.
بصلي بنظرة فيها وجع وحزن، مسك كتافي بإيديه الاتنين وهزني براحة، وقال بصوت مخنوق ومتقطع: “أطرد مين يا هدى؟ إنتِ اتجننتي؟ هو ده ظنك فيا بعد العمر ده كله؟ الست اللي جوة دي أمي زي ما هي أمك، وأنا لحم كتافي من خير رضاها.. اهدي وادخلي شوفي أمك”. دخلت الأوضة وأنا بتنفض، لقيت أمي قاعدة على طرف السرير، وشها غرقان دموع وبتبوس في سجادة الصلاة وحاضنة مصحفها، وبتشهق شهقات تقطع نياط القلب: “ليه عملت في نفسك كده يا ابني؟
ليه تبيع شقا عمرك عشان ست عجوزة؟”. لفيت لإبراهيم وأنا مش فاهمة حاجة، عقلي مش قادر يستوعب اللي بيحصل، قام فتح الملف البني ورمى الورق على السرير قدامي. كانت الصدمة اللي شلت تفكيري.. إبراهيم باع ورشته اللي بيسترزق منها، وباع العربية اللي كان شغال عليها ليل ونهار، عشان يحجز لأمي عملية خطيرة في القلب والمخ، عملية نسبة نجاحها حرجة ومصاريفها بالملايين، وما راضاش يوجع قلبي.
مش بس كده، الورق التاني كان عقد شرا للبيت القديم، بيتنا اللي إخواتي باعوه للغريب.. إبراهيم فضل ورا اللي اشتراه، واستلف ودخل في جمعيات ورهن كل حاجة عشان يرجعه، وكاتب البيت باسمي وباسم أمي! قعدت على الأرض مش قادرة أقف من هول الموقف ومن كرم أخلاق الراجل ده اللي ما يتعوضش بكنوز الدنيا، بس قبل ما ألحق أنطق ولا أشكر فضله، الباب خبط رزع كأنه هينكسر، وأصوات زعيق وصريخ برة في الصالة قلبت العمارة كلها.
جري إبراهيم يفتح، ولقينا الاتنين إخواتي واقفين على الباب، منظرهم متبهدل، هدومهم مقطعة، ووجوههم مسودة من الذل والانكسار، وخلفهم صوت عربيات شرطة بتقف تحت البيت! إخواتي الاتنين، طارق وسامح، اللي كانوا من ست سنين داخلين رافعين مناخيرهم في السما، واقفين دلوقتي على العتبة متبهدلين، قمصانهم متقطعة، وبمجرد ما الباب اتفتح، رموا نفسهم جوة الصالة وركعوا عند رجل إبراهيم وهما بيعيطوا بهستيريا وذل عمري ما تخيلت أشوفهم فيه.
صرخ طارق بصوت مبحوح وهو بيشد في بنطلون إبراهيم: “استرنا يا إبراهيم، في عرضك وفي عرض أمنا، الشرطة تحت، لو مسكونا الليلة مش هيطلع علينا شمس!”. في اللحظة دي، سرينة عربية الشرطة رنت في الشارع مع صوت فرملة قوية وصوت دوشة وجيران طالعة على السلالم، وأنا واقفة متسمرة، كل وجع السنين والظلم والقهرة رجع وقف في زوري خنقني، ما قدرتش أنطق ولا كلمة، بس عيني راحت على أوضة أمي اللي كان بابها موارب.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.