. ربنا يراضيك ويوسع عليك ويجعل كل خطوة بتخطيها رزق وستر”. قضينا اليومين دول في المستشفى بين الزيارات والاطمئنان والتحاليل اللي كلها كانت بتطلع أحسن من المتوقع، وكتبلها الدكتور على خروج يوم التلات، اليوم اللي جهزنا فيه كل حاجة عشان نرجعها مش على شقتي الصغيرة، لأ… على بيتها القديم! البيت اللي أبويا بناه طوبة طوبة، البيت اللي إخواتي باعوه للغريب وسابوها تبكي على بابه في الشارع، إبراهيم كان مخلص كل أوراقه وسجل العقد في الشهر العقاري وبعت ناس نضفوه ودهنوه ورتبوه وفرشوه بأحسن عفش في الكام يوم اللي فاتوا بالفلوس اللي اتوفرت من مصاريف العملية الكبيرة اللي اتلغت وما اتصرفش منها غير ملاليم الفحوصات واليومين بتوع المستشفى.
ركبنا التاكسي ووصلنا حارتنا القديمة، الحارة اللي إخواتي اتفضحوا فيها، كان الخبر انتشر في المنطقة كلها زي النار في الهشيم، الناس عرفت إن إبراهيم رجع البيت وكتبه لأمي ولأختهم، وعرفت إن طارق وسامح محبوسين على ذمة قضايا، وإن نسوانهم هربوا وسابوهم. أول ما نزلنا من التاكسي وسندنا أمي، لقينا الحارة مقلوبة، الجيران نزلوا يزغرطوا، والرجالة الكبار وقفوا يسلموا على إبراهيم ويبوسوا راسه ويقولوا له: “أصيل وابن حلال يا أسطى إبراهيم، ده إنت علمتنا كلنا الأدب والرجولة، وربنا يباركلك في صحتك ويخلف عليك”.
طلعنا أمي على بيتها، أول ما حطت رجلها على العتبة، ركعت وباست البلاط، بكت وضحكت في نفس اللحظة، ريحة أبويا كانت لسه في الحيطان، الذكريات ردت فيها الروح، وإبراهيم حط المفاتيح في إيدها وقالها: “ده بيتك وعمر ما حد يقدر يخرجك منه تاني أبداً يا ست الكل”. قعدنا واستقرينا، وعملنا صينية أكل دافية لمتنا سوا، وحسيت إن الدنيا ضحكتلنا بعد سواد طويل، وإن ربنا قفل باب الغم وفتح ألف باب للفرج، والراجل اللي ضحى بكل مليم كان ربنا بيعوضه خطوة بخطوة.
لكن الهدوء ده ما طولش، ليلة الجمعة، بعد العشا بحوالي ساعة، وإحنا قاعدين بنشرب الشاي وبنتفرج على التلفزيون وأمي قاعدة جنبنا بتسبح وراضية، سمعنا صوت كركبة وصوت ستات بيصرخوا وبيولولوا تحت البيت، صوت عويل ونحيب عالي وطالع على السلم بخطوات بتجري كأنهم بيهربوا من أزمة، وفجأة الباب اترزع بعنف! جري إبراهيم يفتح الباب وهو على آخره ومتعصب، بس أول ما الباب اتفتح، انصدمنا من اللي شفناه!
كانت “صفاء” و”نهى”، مرات طارق ومرات سامح! الاتنين اللي طردوا أمي زمان، الاتنين اللي شجعوا ولادها يرموها في الشارع، الاتنين اللي أول ما عرفوا إن أجوازهم اتمسكوا سرقوا الفلوس والدهب وهربوا عند أهاليهم ورفعوا قضايا ورفضوا حتى يسيبوا مليم للعيال! واقفين على باب الشقة بهدوم سودة متبهدلة، وشوشهم متخربشة وعيونهم وارمة من البكا، وماسكين في إيديهم أربع عيال صغيرين، ولاد إخواتي، هدومهم مقطعة وبيعيطوا من الجوع والرعب، ومن وراهم في مدخل السلم، كان واقف تلات رجالة كبار في السن من كبارات البلد وأعيان عيلة نسوانهم، شايلين شنط سفر وكشاكيل ورق، وعيونهم بتنطق بالهم والخزي!
دخلت صفاء وهي بترمى العيال عند رجلين إبراهيم وأمي في الصالة وبتصرخ وبتلطم على وشها بصوت يقطع القلب: “الحقونا يا عم إبراهيم! الحقونا يا حماتي في عرضكم! الأزمة حلت على دماغنا كلنا ومحدش هيشيلها غيركم!”. إبراهيم وقف حيطة سد قدامهم وقفل صباعه في وشها بغضب: “إنتِ ليكي عين تدخلي هنا بعد ما سرقتوا الفلوس وهربتوا وطردتوا الست دي زمان؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.