ليكي عين تمدي خطوتك في البيت ده بعد ما اتخليتوا عن رجالتكم أول ما وقعوا في الضيقة؟! اخرجي برة إنتِ وهي وبيوت أهاليكم أولى بيكم!”. واحد من كبارات عيلتهم قرب، راجل عجوز بجلابية وعمة ولحيته بيضا، نزل راسه في الأرض بحزن وذل وقال بصوت مكسور: “اهدى يا أسطى إبراهيم واسمع الحكاية الأول.. الموضوع أكبر من الفلوس..
الأزمة المالية اللي وقعوا فيها بسبب تعاملات غير مالوكة وعقود مش مضبوطة، وفيه التزامات ومبالغ مالية مطلوبة لسداد الديون عشان المشاكل تخلص، وباقي العيلة محتاجة دعم ومساعدة، وطارق وسامح باعتين رسالة مستعجلة من الحبس وبيستحلفوك تفتح الصندوق القديم اللي أبوهم دفنه تحت أرضية أوضة الخزين في البيت ده… صندوق محدش يعرف سره غير أبوهم.. والوقت بيجري والصبح فاضل عليه ساعات!
”. سكتت الصالة كأن الوقت وقف، مفيش غير صوت شهقات العيال الصغيرين اللي اترعبوا من منظر أمهاتهم، ونفس طالع من صدر إبراهيم كأنه لهيب فرن مفتوح. كلام الراجل الكبير، “الحاج عبد الصمد”، كبير عيلة صفاء، وقع زي حجر طاحونة على دماغي.. صندوق مدفون في أرضية أوضة الخزين تحت البيت من أيام أبويا الله يرحمه؟!
أمي تنحت، وشها اللي كان ردت فيه الروح في المستشفى بهت تاني، واتسندت بعكازها وهي بتنهج بصعوبة، عنيها راحت لأوضة الخزين القديمة اللي تحت السلم في آخر ممر الدور الأرضي، الأوضة اللي كان أبويا قافلها بقفل مصدي طول عمره ويقولنا: “الأوضة دي لحد ما أموت محدش يفتحها ولا يعتب عتبتها، فيها تعب وشقا السنين وفيها الأمانة اللي تستر لو الزمان مال”.
إحنا ياما سألناه وإحنا صغيرين عن سر الأوضة دي، لكنه كان بيكتفي بابتسامة حزينة ويقرأ الفاتحة. ويوم ما إخواتي باعوا البيت للراجل الغريب، فتحوا الأوضة ولقوها مليانة كراكيب وخشب قديم وصناديق فاضية، ما لقوش فيها مليم أحمر فرموا اللي فيها وافتكروا إن أبويا كان بيخرف في أواخر أيامه! نهى، مرات سامح، ركعت عند رجليا، مسكت في ديل عبايتي وبقت تفرك وشها في هدومي وهي بتشهق بنحيب يقطع النفس: “ابوسي إيدك ورجلك يا هدى!
اعتبري العيال دي ولادك، طارق وسامح دخلوا السكة دي بطمع، بس اتورطوا… الورقة دي مكتوبة بإيد طارق وسامح في الزيارة المستعجلة النهاردة.. خدي اقري يا هدى!”. مدت إيدها ورقة صغيرة، فتحها إبراهيم بعصبية تحت نور النجفة. الخط كان بيرتعش، خط أخويا طارق اللي كان زمان بيتفشخر بخطه وتجارته، مكتوب بمداد باهت: “يا هدى.
. يا إبراهيم يا أصيل.. إحنا ملناش عين نطلب ولا نترجى، إحنا غلطنا وداسنا على اللي ربتنا، بس عشان خاطر العيال، الصندوق مش خشب يا إبراهيم، أبويا الله يرحمه لما هد البيت القديم وبناه بالمسلح سنة تسعين، صب خرسانة تحت أرضية الخزين ودفن صندوق حديد صلب، مفتاحه جوة برواز آية الكرسي اللي متعلق في صالة الشقة من خمسين سنة، اكسروا البرواز.. هتلاقوا المفتاح الصغير، والصندوق فيه الورق والدهب اللي يحل الأزمة..
اعتقوا عيلتنا لوجه الله عشان خاطر أمنا ما تشوفش عيالنا في الشارع”. إبراهيم رمى الورقة على الترابيزة وبص لصفاء ونهى وللرجالة اللي معاهم باحتقار، وقال بصوت يرن في أركان البيت: “كنتوا فين لما أمي كانت بتبكي على الرصيف في عز البرد؟ كنتوا فين لما كنت ألف على الصيدليات عشان شريط علاج ضغط بسبعين جنيه وإخواتها مش راضيين يدفعوا ربع جنيه؟! دلوقتي افتكرتوا إن ليها عيال وإن إبراهيم أصيل؟!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.