قبل ما يخلصوا العشر دقايق، نزل إبراهيم شقته بهدوء الصياد، فتح دولابه وطلع تليفون قديم بزراير كان سايبه للطوارئ، واتصل بنمرة كان مسجلها في كراسته القديمة من أيام ما كان بيخدم في الجيش، نمرة اللواء “محمود الصياد”، اللي كان دفعة والده وكان إبراهيم صلّحله عربيته الخاصة من شهرين والراجل قاله بحسن نية: “لو احتجت أي سند في أي وقت يا إبراهيم، رن عليا في أي ساعة”.
إبراهيم في دقيقة واحدة حط الراجل في الصورة، مش بس قاله الحقني، قاله: “معايا شرايط وتسجيلات قضية دفن النفايات والقتل العمد بتاعة سنة 1989 اللي هرب منها الدسوقي الغول زمان، والصندوق اتفتح، ورجالته دلوقتي محاصرين البيت عشان يطمسوا الأدلة ويحرقونا!”. الراجل على الطرف التاني صوته اتغير 180 درجة، مكنتش مجرد استغاثة مواطن، دي كانت قنبلة سيادية بتنفجر وبتفتح ملف قضية رأي عام دفنت من تلاتين سنة وعجزت أجهزة الدولة وقتها عن إثباتها بسبب غياب الشهود.
اللواء صرخ في التليفون: “اثبت يا إبراهيم واقفل عليك، القوات الخاصة وقطاع الأمن الوطني هيتحركوا حالاً، أربع دقايق وتكون القوة عندك، اوعى تسلمهم ورقة واحدة!”. بس الأربع دقايق في وقت الخطر بيعدوا كأنهم أربعين سنة. تحت على باب البيت، بدأ صوت سكب البنزين يرش على الخشب، وريحة الغاز والبنزين بدأت تخترق الممر والسلالم ووصلت لخياشيمنا في الحمام، وصوت الدسوقي رجع يصرخ من تحت بميكروفون عربية بصوت عالي كسر سكون الليل كله: “خلص الوقت يا إبراهيم!
ارمي الصندوق من البلكونة حالاً وإلا الشرارة هتنزل والبيت هيبقى كوم رماد باللي فيه!”. إبراهيم مكنش قدامه حل غير إنه يكسب كل ثانية لحد ما القوات توصل، فتح شباك الدور الأول ووقف بكبرياء وشموخ والشنطة السودة في إيده، وبص لتحت على الرجالة المتلثمين والدسوقي اللي كان واقف ورا عربية الجيب ولابس بدلة سودا ونظارة شمس بالرغم من عتمة الليل، وقال إبراهيم بصوت جهوري رج الحارة كلها: “أنا مش هرمي الورق يا دسوقي، الورق مش هتاخده إلا لما تسحب رجالتك لآخر الشارع وتركب عربيتك، عشان لو رميته من هنا وشرارتك لمست البيت، الشرايط دي هتدوس عليها برجلي وأحرقها بنفسي قدام عينك، وتضيع فرصتك الوحيدة إنك تقفل ملفك الأسود!
”. الدسوقي ضحك ضحكة شيطانية شقت سكون الشارع: “بتتفاوض معايا يا أسطى على دقيقة في عمرك؟ طب وحياة أمك لأدفنك مع الشرايط!”، ورفع ولاعته وادا إشارة للراجل اللي ماسك الجركن، والشرارة كانت خلاص هتلمس الأرض والبنزين هيمسك في أركان البيت، لكن فجأة… صوت رصاصة واحدة مباغتة وصادمة قطعت الهواء من مكان عالي في الشارع التاني، نزلت في كتف الراجل اللي ماسك الولاعة فطارت من إيده في الهوا، وفجأة اتحولت الحارة كلها لنور أبيض يعمي العيون من كشافات مدرعات العمليات الخاصة اللي سدت مدخل الحارة ومخرجها في ثانية واحدة!
صفارات الإنذار دوّت بهستيريا، وأصوات ضباط مكافحة الإرهاب بتصرخ في الميكروفونات: “اثبت مكانك أنت وهو! ارمي السلاح على الأرض وانبطح!”. الحارة اتقلبت ساحة مواجهة، وضرب نار متبادل في كل مكان، وإبراهيم نايم على أرضية البلكونة بيحمي الشنطة بجسمه، ورصاص بيخرم في حيطان البيت وإزاز الشبابيك بينزل علينا دش زي المطر.
بعد عشر دقايق من الاشتباك اللي خلع قلوبنا في الحمام، صوت الرصاص سكت فجأة، وحل محله صوت كلابشات وأوامر صريحة بالقبض على كل التشكيل العصابي، وصوت الدسوقي وهو بيتجر على الأرض وبيصرخ بصوت ذليل مكسور بعد ما اتصاب في رجله واتحطت الكلبشات في إيديه. الباب اتخبط علينا براحة، وصوت إبراهيم الحنين المنهك نده: “افتحي يا هدى.. افتحي يا أمي، ربنا نصرنا والغم انزاح”.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.