عارف إن طمع الدنيا هيدخل بين ولادي، وعارف إن طارق وسامح عينهم على البيت والقرش وهيضيعوا نفسهم ورا السراب، وعارف إن بنتي هدى مالهاش ذنب. عشان كده، ربع البيت ده وأرض المخزن شيلتهم أمانة للي يصون أمهم ويشيل عارهم لو مال الزمان.. إبراهيم ابني بالرضا والشرع”. صفاء ونهى قعدوا في الأرض يبكوا بدموع التوبة والندم، مفيش في عينهم ذرة اعتراض، بالعكس كانوا بيبوسوا إيد أمي ويحمدوا ربنا إن ليهم سقف يلم عيالهم وما اترموش في الشارع.
الحاج عبد الصمد نزل راسه وقال: “أبوكم كان راجل حكيم، شاف اللي جاي بقلبه، وحط الحق في إيد اللي يستاهله”. مرت ست شهور كأنها نسمة صيف بعد عاصفة تقيلة. طارق وسامح خرجوا من السجن بعد انتهاء العقوبة المخففة والتصالح في كل الشيكات، خرجوا الاتنين مكسورين الجناح، بس نفوسهم اتطهرت من كل وسخ السنين.
أول خطوة خطوها برة السجن، كانت على بيت أبوهم، دخلوا الصالة ركعوا على ركابهم قدام رجلين أمي، وبكوا بكا عيال صغيرة، وأمي فتحت دراعاتها وحضنتهم ودموعها بتغسل قلوبهم: “المهم إنكم رجعتوا لربنا ولعيالكم برجولة وشرف”. طارق وسامح قاموا وراحوا لإبراهيم، وطوا راسهم عشان يبوسوا إيده، لكن إبراهيم شد إيده بحزم ورفعهم لحضنه وقال بصوت راجل أصيل: “محدش يبوس إيد حد هنا، إحنا إخوات والدم ميبقاش مية، المهم السكة العوجة متدخلوهاش تاني”.
إبراهيم ما رضييش يخليهم مذلولين، فتح ورشة الميكانيكا والحدادة الكبيرة من فلوس الشيك اللي اتفك، وخلى طارق وسامح شركا معاه بعرقهم وشقاهم، يشرفوا على الشغل وياكلوا لقمة حلال يعيشوا بيها هما وعيالهم بكرامة. وفي ليلة الجمعة، كانت الصالة مليانة بريحة البخور وصوت إذاعة القرآن الكريم، والعيال الصغيرين بيلعبوا ويضحكوا حوالين جدتهم، وأمي قاعدة في صدر البيت متسندة على المخدات وشها منور برضا الدنيا والآخرة، بتسبح وتدعي لكل اللي في البيت.
دخل إبراهيم وشايل في إيده صينية الشاي بالنعناع، قعد جنبها وباس راسها، فبصتله وابتسمت ابتسامة ردت فيها الروح وقالت: “يا بخت اللي ربنا راضي عنه ورازقه بأصل زيك يا إبراهيم.. دخلت بيتنا غريب، وبقيت أنت عمود البيت وبركته”. بصيت لإبراهيم، وبصيت لأمي، وحسيت إن ربنا عوضني عن كل دمعة خوف وكسرة بسبع سنين عز وأمان، وعرفت إن الدنيا مهما ضاقت وظلمت، مفيش باب مقفول ميتفتحش بدعوة أم راضية، ومفيش راجل بيشيل حمول الناس لوجه الله إلا وربنا يرفعه فوق كتاف الكل.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.