خرجنا وإحنا بنترعش، لقيت إبراهيم واقف قدامنا، هدومه غرقانة تراب وعرَق، ودراعه اليمين بينزف دم نتيجة شظية إزاز، بس عيونه كانت بتلمع بعزة ونصر عمري ما شفت زيهم في حياتي، ووراه كان واقف اللواء محمود ومعاه رئيس نيابة أمن الدولة العليا عشان يستلموا الصندوق رسمي. لكن وسط الفرحة والنصر ده كله، وقبل ما نلحق نتنفس الصعداء، دخل أمين شرطة بيجري ومعاه جهاز اللاسلكي وهو بينهج، بص للواء ولإبراهيم ووشه كان مخطوف ومسود من خبر شؤم سمعه في الجهاز، وقال بصوت متلجلج ومرعوب: “يا فندم.
. جالنا إشارة عاجلة وسرية من سجن طرة المركزي حالا… فيه تمرد اتعمل في عنبر 4 مخصوص للتغطية على العملية دي، و…” “انطق يا ابني! في إيه في عنبر 4؟” صرخ اللواء محمود وهو بيشد أمين الشرطة من كتفه، وعيون إبراهيم اتعلقت على شفايف الراجل وهو حابس أنفاسه، بينما صفاء ونهى وقفوا ورايا يتنفضوا كأن مسهم تيار كهربا. بلع الأمين ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز: “يا فندم..
المساجين التابعين للدسوقي جوة ولعوا في البطاطين وعملوا شغب عشان يشتتوا الحراسة، ودخلوا على زنزانة طارق وسامح بأسلحة بيضا متهربة! الحرس اتدخل للسيطرة على الشغب، بس… الاتنين اتصابوا إصابات خطيرة جداً، ونقلوهم في عربيات إسعاف مصفحة على قصر العيني الفرنساوي بين الحياة والموت!”. الصرخة اللي شقت البيت ساعتها ما كانتش من صفاء ولا نهى.. كانت من أمي!
عكازها وقع على البلاط برنة وجع خرمت الودان، وجسمها كله ساب، وقعت بين إيديا أنا وإبراهيم وهي بتضرب على صدرها بضعف ونحيب يقطع نياط القلب: “ولادي.. ضنايا اللي شيلتهم على إيدي يا رب! استرهم يا رب ورد فيهم الروح.. إبراهيم! والنبي يا ابني خدني ليهم، عايزة أشم ريحتهم!”. إبراهيم ماترردش لحظة، ملامحه اللي كانت صارمة لانت في ثانية واحدة بوجع راجل بيشوف دموع ولية عاجزة، بص للواء محمود وقاله بنبرة حاسمة: “يا سيادة اللواء، الأمانة والشرايط والصندوق في حمايتك وفي إيد النيابة، وأنا لازم أتحرك مع أمي فوراً للمستشفى، دول لحمها وعمرها ما هتسامح نفسها لو راحوا وهي مش جنبهم”.
اللواء مسك إيد إبراهيم باحترام وتقدير وقال: “أنت راجل من ضهر راجل يا إبراهيم، عربية حراسة هتتحرك قدامكم تفتحلكم الطريق لحد المستشفى، وحق البلد وأبوك محفوظ”. ركبنا العربية، صفاء ونهى فضلوا في البيت مع العيال والحاج عبد الصمد، وخدنا أمي اللي كانت بتتمتم بآيات وأدعية لسانها مبطلهاش ولا ثانية، وإبراهيم رابط دراعه المجروح بشاش أبيض وماسك دركسيون عربيته اللي كانت بتطير في شوارع القاهرة اللي لسه ساكنة قبل خيوط الفجر الأولى.
وصلنا قصر العيني، كانت مدرعات الشرطة محاصرة بوابة الطوارئ، والدنيا مقلوبة أطباء وممرضين بيجروا بتروليات غرقانة شاش ودم. جرينا ورا الترولي، لمحنا طارق وسامح.. المنظر كان يشيب له شعر الراس! الاتنين وشوشهم زرقة ووارمة، أجهزة التنفس الصناعي مغطية ملامحهم، والدم مسرّب من بطونهم وصدورهم، وإيديهم متكلبشة في جوانب السراير الحديد وحواليهم حراسة مشهددة. أول ما أمي شافتهم بالمنظر ده، زحفت على الترولي ومسكت إيد طارق المتلجة، وبقت تبوس صوابعه وتشهق: “سامحتكم يا ولادي.
. سامحتكم دنيا وآخرة، بس عيشوا.. متكسروش قلبي عليكم، فتح عينك يا طارق، شوف إبراهيم جوز أختك اللي طردتوه، جه بدمه عشان ينجدكم!”. في اللحظة دي، طارق فتح جفن عينه بالعافية، عينه كانت غايمة وبتدمع دم خفيف، لمح إبراهيم واقف جنب أمه وساندها، حرك شفايفه تحت ماسك الأكسجين بصوت ضعيف جداً مكنش مسموع غير كهمس محتضر: “سـ… سامحني.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.